محمد بن علي الشوكاني

1219

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

تعمل خيرا قط ، كما هو المراد أيضًا في حق النفس الكافرة ، وهو الظاهر لقوله تعالى : { يوم يأتي بغض ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمانها } ( 1 ) . ولا شك أن ذلك الإيمان الواقع عند مجيء الآية غير نافع قطعا ، لأنه واقع في وقت لم تقبل فيه توبة ، وإنما النافع لها يوما ما هو الإيمان المتقدم ، وهذا واضح عند من جعل الإيمان يزيد ( 2 ) وينقص ، وكذلك عند من جعل الأعمال منه وهو المختار . قال تعالى : { وما كان له } [ 5 ب ] ( 3 ) . . . . . . . . . عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك { ( 4 ) فأفادت هذه الآية أن طاعة الشيطان دليل على عدم الإيمان بالآخرة ، وأن من أطاعه فهو في شأ من الآخرة ، فطاعة الشيطان دليل على حصول الشك وعدم الإيمان ، ولذا جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " ( 5 ) . ولعل وضع الظاهر موضع المضمر في

--> ( 1 ) [ الأنعام : 158 ] ( 2 ) جماهير أهل السنة على أن الإيمان يزيد بالعمل الصالح والعلم النافع وزيادة المؤمن به وتظاهر الأدلة والنظر والتدبر والتفكير في مخلوقات الله ، كما أنه ينقص بالمعاصي ونقص الطاعات وغيرها مما ذكر أنه يزبد بزيادته والأدلة على دلك من الكتاب والسنة كثيرة ( منها ) : قوله تعالى : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } [ الأنفال : 2 ] ، وقوله تعالى : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } الفتح : 4 ] . قال ! س : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن ا يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان " أخرجه مسلم لما صحيحه رقم ( 78 / 49 ) من حديث أبي سعيد . وانظر : مجموع فتاوى ( 3 / 355 ) ( 5 / 351 ) ، شرح العقيدة الطحاوية ( ص 320 - 323 ) . ( 3 ) [ في المخطوط _ أي الشيطان _ ] ( 4 ) [ سبأ : 21 ] ( 5 ) أخرجه البخاري رقم ( 2475 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 57 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . . قال ابن تيمية في " الإيمان " ( ص 290 - 291 ) : ومعلوم أن الراني إنما يزني لحب في نفسه لذلك الفعل ، فلو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة أو حب الله الذي يغلبها لم يزن ولهذا قال تعالى عن يوسف عليه السلام : } كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين & [ يوسف : 24 ] فمن كان مخلصا لله حق الإخلاص لم يزن ، وإنما يزني لخلوه من ذلك ، وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه ، لم ينزع منه نفس التصديق ولهذا قيل : هو مسلم وليس منافقا ، لكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الأحوال الإيمانية الواجبة مثل كمال محبة الله ورسوله ومثل خشية الله والإخلاص له في الأعمال والموكل عليه . . . " . وقد ثبت أنه لا بكون الرجل مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وإنما المؤمن من لم يرتب ، وجاهد . بماله ونفسه في سبيل الله ، فمن لم تقم بقلبه الأحوال الواجبة في الإيمان ، فهو الذي نفى عنه الرسول الإيمان وإن كان معه التصديق ، والتصديق من الإيمان ، ولا بد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وحشية الله ، وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانا البتة . . وقيل : أي المراد نفى كمال الإيمان لا نفى أصل الإيمان ، وهو من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفى كماله ، وهو كثير في لغة العرب ، وعلى هذا التأويل أكثر أهل العلم ، جمعا بين هذا الحديث ونحوه من الأحاديث التي ظاهرها نفى الإيمان عن العصاة ، ولن الأحاديث التي ظاهرها الصحة التي تثبت دخول الجنة للموحد وإن ارتكب المعاصي ، فيدخلها رأسا إذا تاب أو غفر الله له ، أو يدخلها بعد مجازاته ولا يخلد الموحد العاصي والنار على مذهب أهل السنة والجماعة ، ولا يكفر . بمعصيته